اسماعيل بن محمد القونوي

127

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم ) استئناف لبيان تقييد التسبيح بالحمد وإنهم أظهروا العجز عن ذلك بدون توفيق ( ونقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب ) أي التقديس بمعنى التطهير لكن بمعنى تطهير النفوس لا بمعنى تنزيه اللّه تعالى عن السوء احترازا عن التكرار والتطهير عن الذنوب لا يقتضي سبق الذنوب لما عرفت قوله ( لأجلك ) أي لتحصيل مرضاتك لا لتحصيل ثوابك إذ لا ثواب لهم . قوله : ( كأنهم قابلوا ) ولعدم الجزم بذلك قال كأنهم ( الفساد المفسر بالشرك ) بناء على قوله : تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم أي ما أوهمه إسناد التسبيح إليهم من معنى الاستقلال فيه كأنهم قالوا ونحن نسبحك لا بقدرتنا ولكن نسبحك لا بقدرتنا ولكن نسبحك بإلهامك وفيض المعرفة منك إلى قلوبنا وإرشادك لنا إلى تسبيحك فحاصل المعنى نسبحك حامدين على توفيقك لنا على التسبيح والهامك لنا عليه والتسبيح من جملة الحمد لأنه قول مع اعتقاد بنزاهة اللّه تعالى عن النقائص فهو قريب مما قيل أحمد اللّه والحمد من نعمائك فتدورك به معنى الاستقلال في التسبيح الذي يوهمه الإسناد إليهم وهذا من غاية رعايتهم الأدب في مخاطبة الرب . قوله : نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك أقول الأوجه أن يكون المفعول لنقدس ذات الواجب تعالى ليطابق معنى نسبح فإن معناه نسبحك فالظاهر أن المعنى هنا أيضا نقدسك واللام في لك إما مزيدة أو مثل اللام في هبت لك كأنه لما قالوا ونقدس قال تعالى لهم مستنطقا لهم لا مستفهما لمن التقديس فقالوا لك وفي الكشاف وبحمدك في موضع الحال أي نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا انعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك تم كلامه . قوله : لأنه لولا انعامك الخ تعليل لتقييد التسبيح بالحمد أي نسبح تسبيحا مقيدا بالشكر وملتبسا به يعني لولا الحمد لم يصدر الفعل إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة ويستجلب توفيقا إلهيا ومنه قول داود عليه السّلام يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك وفي هذا المعنى أنشد : إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة * علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله * وإن طالت الأيام واتسع العمر فإن مس بالنعماء عم سرورها * وإن مس بالضراء أعقبها الأجر أقول : الأشبه عندي أن بحمدك متعلق بنسبح والباء للملابسة أي المصاحبة فيكون بحمدك ظرفا لغوا لا متعلقا بمحذوف لكن تقديرهم ملتبسين إنما هو معناه الانسحابي لا أصل معناه كما قالوا في اقرأ باسم اللّه فإنهم إنما قدروا ملتبسا لتصوير معنى الباء فيه وبيان أنه للملابسة لا أنه متعلق بمعنى الملابسة لأن متعلق الباء اقرأ ليس إلا . قوله : كأنهم قابلوا الفساد الخ هذا بيان لوجه تفسير نقدس بنطهر نفوسنا أقول مقابلة الفساد المفسر بالشرك بالتقديس بمعنى نطهر النفوس عن الرجس أنسب في مقابلته بالتسبيح لأن الشرك محكوم عليه بالرجس في القرآن المجيد قال عز وجل فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] أيضا لا يبعد أن يجعل سفك الدماء الذي هو إصابة السوء لعباد اللّه مقابلا بالتسبيح الذي هو تبعيد اللّه تعالى عن السوء فإن إيصال السوء للعبد بمنزلة إيصاله إلى مولاه وبهذا الاعتبار صح معنى المقابلة بينهما قال صاحب الكشاف في تفسير إِنِّي أَعْلَمُ ما لا